الحاجة إلى ترميم البيت التباوي الداخلي

الحاجة إلى ترميم البيت التباوي الداخلي

تقف قبيلة التبو اليوم أمام تحدياتٍ وجوديةٍ خطيرة، قد تكون أشدَّ وأعظمَ مما مرَّت به من قبل، بما في ذلك الحروب القبلية التي شهدها الجنوب الليبي. وهو ما يستوجب مزيدًا من الفطنة، وتعزيز القدرات التحليلية والاستقرائية لقراءة المشهد، وحسن استيعاب المستجدات المحلية والإقليمية.

 

وتقع القبيلة في قلب مثلثٍ إقليميٍّ معقَّدٍ ورخو، طالما اتسم بالتقلبات السياسية، والتمردات، وبناء التحالفات النفعية والاستغلالية، الأمر الذي يجعل بيئته شديدة الحساسية وسريعة التحول.

 

وهذه منطقةٌ سال لها لعاب الطامعين، قديمًا وحديثًا، لما تتمتع به من أهميةٍ جيوسياسيةٍ بالغة. وكان من مقتضى العقل والحكمة والخبرة والوعي أن ندرك جيدًا حجم هذه الأطماع وطبيعتها؛ فهي ليست أطماعًا ماديةً فحسب، بل أطماعٌ استراتيجيةٌ، تختلف دوافع أصحابها وأهدافهم، لكنها تلتقي عند السعي إلى بسط النفوذ وتحقيق المصالح.

 

وأشدُّ ما يُؤلم أن نُساق إلى الفخ ونحن مفتوحو الأعين. ولسنا بحاجةٍ إلى زرقاء اليمامة لتنبئنا بما هو آتٍ، ولا إلى «منعرج اللوى» حتى نستبين المستقبل؛ فالمؤشرات القائمة كافيةٌ لمن أحسن القراءة، وأجاد التقدير، واستخلص العبرة.

 

وأمام هذه التحديات المتعاظمة والأطماع المتزايدة، تبرز الحاجة الملحَّة إلى لمِّ الشمل، وتوحيد الصف، وجمع أبناء القبيلة على قلب رجلٍ واحد، تحت قيادةٍ حكيمةٍ راشدةٍ وشجاعة، تُحسن إدارة الأزمات، وتقدِّم المصلحة العامة على كل اعتبار.

 

ويتوهَّم فريقٌ من الناس أن للشجاعة صورةً واحدة، تتمثل في السلاح المرفوع، والصوت الجهير، والضرب، والطعن. ولا ريب أن هذه من صور الشجاعة ومظاهر الحماسة، ففي ميادين القتال تُختبر معادن الرجال، وتظهر البطولات. غير أن الحكماء قالوا قديمًا: «الرأي قبل شجاعة الشجعان»؛ أي إن للشجاعة صورًا أخرى دقيقةَ الملحظ، عسيرةَ المأخذ، لا يقدر عليها إلا من حكَّم عقله على عاطفته، وجعل العقل والعاطفة معًا في خدمة غايته.

 

وهذا هو ما تحتاج إليه القبيلة عند نزول الملمات والمحن؛ فذلك هو جوهر القيادة، وقلبها، ولبُّها. فالشجعان الذين لا يهابون القتال كثيرون، وأصحاب الرأي الذين يغلب عليهم الحذر كثيرون أيضًا، أما الذين يجمعون بين شجاعة الجنان، وصفاء العقل، وبُعد النظر، والقدرة على حمل السلاح عند الحاجة، وحسن توظيفه في موضعه، فهم الندرة النادرة، وهم الذين تُعقد عليهم الآمال في قيادة الأمم والقبائل في أوقات الشدائد.

وقد قالوا قديما ( قبل الرمي تُراش السهام ) فلا نجاح في مواجهة التحديات إلا بالإعداد المحكم ، ووحدة الصف وحسن التدبير .قبل الإقدام على أي خطوة.

الدكتور —محمد السنوسي